حسن حنفي
463
من العقيدة إلى الثورة
صنعه . قد يكون منكر هو العقل والقول ، ونكير هو الحكم عليهما بذلك وليسا شخصين أو ملكين . تتحول الأسماء إلى معان مستقلة ثم تتحول هذه إلى أشياء ثم تتشخص الأشياء وتحيا وتصبح شخصيات حية كما كان الحال في ألقاب المسيح . فهما للمؤمن مبشر وبشير ، وبالنسبة للكافر منكر ونكير . هي أسماء تعبر بدلالاتها على التجربة الانسانية بل انها ألفاظ يعبر بها الانسان عن تجاربه في الحياة . ثم تتحول الأسماء إلى معان ثم إلى أشياء ثم إلى أشخاص ثم تصبح مقدسات وفاعلات في العالم ضد الانسان أو معه طبقا لعواطف الايجاب والسلب وانفعالات الخير والشر . وهو ما يحدث باستمرار في العقاب الأنبياء وصفات الآلهة « 172 » . ويقوم الخيال الشعبي المتصل بنوع من التواتر المعنوي فيصبح مترادفا عند عديد من الشعوب يعبر عن حكمة البشر وتجاربهم الحية عبر التاريخ . فهناك ملك للخير على اليمين وملك للشر على اليسار ، كريمان كاتبان ، يدونان كل شيء إلى يوم الحساب . وهي الثنائية الدينية التقليدية المعروفة في الديانات القديمة القائمة على الصراع بين الخير والشر . وقد كانت هناك أنماط سابقة من هذه
--> ( 172 ) هذا هو موقف المعتزلة والّذي على أساسه تنكر منكر ونكير كوقائع وأشخاص . إذ تدعى الأشاعرة أن الله تعالى يبعث ملكين أحدهما منكر والآخر نكير حتى يسأل صاحب القبر ثم يعذبانه أو يبشرانه ، وتسمية ملائكة الله بما لا يليق بهم وبما يقتضي استحقاق الذم وذلك مما لا وجه له . وجوابنا أن العذاب لا بد له من معذب ، والمعذب يجوز أن يكون هو الله ، ويجوز أن يكون غيره ، هذا في العقل . غير أن السمع ورد بأنه يكل كل ذلك إلى ملكين يسمى أحدهما منكرا والآخر نكيرا ولا شيء في ذلك مما يدعونه لان هذا بمنزلة غيره من الألقاب التي لاحظ لها في إفادة المدح والذم والثواب والعقاب ، وهو جار على طريقة العرب وتسميتهم أبناءهم وأغرتهم بالصخر والكلب والذئب وغير ذلك من غير أن يفيدوا به مدحا ولا ذما بل لكي يقوم مقام الإشارة على ما هو موضوع التقليب وعلى أنا لو جعلنا هذا الاسم من الأسماء المفيدة فإنه ليس يفيد قولنا منكر أكثر من أن الغير لا يعرفه وبأن لا يعرفه شخص من الاشخاص ملكا من الملائكة لم يدخل الملك في استحقاق الذم وهكذا قولنا في نكير ، الشرح ص 733 - 734 ، وعند الكرامية منكر ونكير هما الملكان اللذان وكلا بكل انسان في حياته ، وعند الجمهور غير الحفيظين على كل انسان ، الأصول ص 246 .